أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

428

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الحال على إضمار « قد » أي : وقد قال ، أو على الاستئناف . و « لَأَتَّخِذَنَّ » جواب قسم محذوف . و « مِنْ عِبادِكَ » يجوز أن يتعلّق بالفعل قبله أو بمحذوف . على أنه حال من « نَصِيباً » لأنه في الأصل صفة نكرة قدّم عليها . ومفعولات الأفعال الثلاثة محذوفة للدلالة عليها أي : ولأضلّنّهم عن الهدى ولأمنّينّهم بالباطل ولآمرنّهم بالضلال ، كذا قدّره أبو البقاء ، والأحسن أن يقدّر المحذوف من جنس الملفوظ به أي : ولآمرنّهم بالبتك ، ولآمرنّهم بالتغيير . وقرأ أبو عمرو فيما نقل عنه ابن عطية : « لامرنّهم » بغير ألف وهو قصر شاذّ لا يقاس عليه ، ويجوز ألّا يقدّر شيء من ذلك ؛ لأنّ القصد الإخبار بوقوع هذه الأفعال من غير نظر إلى متعلّقاتها نحو : كُلُوا وَاشْرَبُوا « 1 » . والبتك : القطع والشقّ ، والبتكة : القطعة من الشيء جمعها بتك : 1660 - حتّى إذا ما هوت كفّ الغلام لها * طارت وفي كفّه من ريشها بتك « 2 » ومعنى ذلك : أنّ الجاهلية كانوا يشقّون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر . وقرىء « 3 » : « يَعِدُهُمْ » : بسكون الدال تخفيفا لتوالي الحركات ، ومفعول الوعد محذوف أي : يعدهم الباطل أو السلامة والعافية . « إِلَّا غُرُوراً » يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا ، وأن يكون مفعولا من أجله ، وأن يكون نعت مصدر محذوف أي : وعدا ذا غرور ، وأن يكون مصدرا على غير الصدر لأنّ « يَعِدُهُمْ » في قوة يغرّهم بوعده . و عَنْها : يجوز أن يتعلّق بمحذوف : إمّا على الحال من « مَحِيصاً » لأنه في الأصل صفة نكرة قدّمت عليها ، وإمّا على التبيين أي : أعني عنها ، ولا يجوز تعلّقه بمحذوف ؛ لأنه لا يتعدّى ب « عن » ولا ب « مَحِيصاً » ، وإن كان المعنى عليه لأنّ المصدر لا يتقدّم معموله عليه ، ومن يجوّز ذلك يجوّز تعلّق « عن » به . والمحيص : اسم مصدر من حاص يحيص إذا خلص ونجا ، وقيل : هو الزّوغان بنفور ، ومنه قوله : 1661 - ولم ندر إن حصنا من الموت حيصة * كم العمر باق والمدى متطاول « 4 » ويروي : « جضنا » بالجيم والضاد المعجمة ، ومنه : « وقعوا في حيص بيص » ، وحاص باص ، أي : وقعوا في أمر يعسر التخلّص منه ، ويقال : محيص ومحاص ، قال : 1662 - أتحيص من حكم المنيّة جاهدا * ما للرّجال عن المنون محاص « 5 » ويقال : حاص يحوص حوصا وحياصا أي : زايل المكان الذي كان فيه ، والحص : ضيق مؤخر العين ومنه الأحوص . وقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا : يجوز فيه وجهان : الرفع على الابتداء ، والخبر « سَنُدْخِلُهُمْ » . والنصب على الاشتغال أي : سندخل الذين آمنوا سندخلهم ، وقرىء « 6 » : « سيدخلهم » بياء الغيبة . وانتصب

--> ( 1 ) سورة الطور ، الآية ( 19 ) . ( 2 ) البيت لزهير انظر ديوانه ( 80 ) . ( 3 ) وهي قراءة الأعمش انظر البحر ( 3 / 354 ) . ( 4 ) البيت لجعفر الحارثي انظر الحماسة ( 1 / 64 ) ، البحر - - ( 3 / 348 ) . ( 5 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 348 ) . ( 6 ) انظر البحر ( 3 / 355 ) .